د. محمد كمال الدين إمام في كلمته بالمؤتمر العالمي للإفتاء: الزمن الفقهي له خصائص فارقة بينه وبين الزمن الفلسفي وهي خصائص لازمة يترتب عليها إلزامات بعضها تشريعي وبعضها أخلاقي

36

قال أ. د. محمد كمال الدين إمام أستاذ الشريعة بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية إن فكرة الزمن تعد من أكثر المفاهيم الفلسفية إثارة للمتاعب، وعلى الرغم من توغلها في التاريخ الكوني والإنساني فلا تزال عصية عن الحل.

جاء ذلك في كلمة ألقاها بعنوان نحو نظرية عامة في الزمـن الفقهي «تأصـيل وتحـليل» خلال مشاركته في الجلسة الثالثة بالمؤتمر العالمي للإفتاء 2019م.

وأضاف فضيلته أن الفقهاء لم يهتموا بتحديد مفهوم للزمن، ولم يحاولوا تجريده من معانيه الفلسفية والكلامية، واقتصروا في البحث عن أثره على الإنسان في عباداته ومعاملاته، ففقد الزمن وحدته الجامعة، وتحوَّل إلى تفاريق ظن البعض أنها «تجعل الفقه مرنًا يساير الزمن بفروعه المختلفة لا بأصوله القارة»، وجعل الزمن موكولاً إلى استعماله سواء كان اجتهاد المكلف واختياره كما في الصوم وكفارات اليمين، أو اجتهاد الحاكم كضرب الآجال وطلب البينات والحجج. وتم تقسيم الزمان عند هؤلاء إلى زمان يُدرك بالحواس، وزمان لا يُدرك بالحواس ويسمونه زمانًا معنويًا أو مطلقًا.
وأكد د. إمام أن الزمن الفقهي هو «الفعل الممكن في الزمن المعين» وهذا يعني أن الفعل المأمور به – كما قال فضيلته – له ركنان: الإمكان لأن استحالته تخرجه من دائرة الزمن الفقهي، والتعيين لأن التعيين هو الذي يجمع الآنات في زمن يمكن تقويمه. والمنفعة التي هي جوهر الزمن الفقهي تقبل التقسيم المتعاقب ولكنها لا تبقى زمانين.

وعن خصائص الزمن الفقهي فقد لفت فضيلة الدكتور إمام النظر إلى أن الزمن الفقهي له خصائص فارقة بينه وبين الزمن الفلسفي، وهي خصائص لازمة يترتب عليها إلزامات بعضها تشريعي وبعضها أخلاقي.

وأوضح فضيلته أن الفتوى عند البعض هي عقلنة الشريعة، وعند البعض الآخر هي عولمة الشريعة، والخلاف الدائر حول الثبات والتغير، والشمول والنسبية، والتخطئة والتصويب يمكن قراءته في ضوء هذين الاتجاهين عبر دراسة نقدية لتاريخ الفتوى، إنه بالضرورة تاريخ متحرك عبر منهجيات قائدة وأخرى راكدة، وعبر قواعد فقهية أصيلة، وأخرى دخيلة، الأمر الذي يجعل تاريخ الفتوى يتأرجح صعودًا ونزولاً، ويفضي في الأزمنة الأخيرة إلى ركود له دواعيه، وجمود تبدو للعيان ملامحه وتضاريسه، ولم يعد وصف الخطاب الديني المعاصر بالجمود «تجريحًا» نظن إمكانية الإعراض عنه، بل هو تشخيص صائب يضعنا جميعًا- مؤسسات وأفرادًا- في حرج لا بد من الاعتراف به، والبحث عن آفاق معرفية تتخطى العقلية الفقهية الماضوية إلى حاضر نحن أهله والأمناء عليه والمسئولون عنه دينًا ودنيا.

وأضاف أن البحث في الأعراف والعادات هو بحث في تحقيق المناط، وتحقيق لا يستقل به علماء الشريعة وحدهم، لكون النظر في المناط لا يلزم منه أن يكون ثابتًا بدليل شرعي، وإنما يفتقر إلى العلم بما لا يُعرف ذلك المناط إلا به. ولا وجه للخلاف بين الفقهاء فيما لا مدخل لهم فيه.

واختتم فضيلته كلمته بقوله: “إن العُرف في علم الأصول هو تابع لا متبوع والزمن لا يتعلق بدليليته، وإنما هو من لوازمه، والبحث فيه بحث في المصاديق، وهي جزئيات خضعت لكلي العُرف حجية ومضمونًا. والقطعي والظني من الأحكام لا مدخل للوقائع العرفية فيه لا في إلزامه ولا في مضمونه، فهي تستقبل ولا ترسل، وتحتكم ولا تحكم، وفي ضوء هذا التحليل تتضح الفوارق بين القياس والمصلحة والعُرف وكلها من بنية الحكم الشرعي. يُفهم في ضوئها العرف بحدوده ومجالاته”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

");pageTracker._trackPageview();
loading...